إن اختصاص يوم بالعمال لعله بلحاظ التكريم والتعظيم، وإلّا فإن كل يوم هو يوم العمل والعمال، بل العالم قد تشكل من العمل والعامل. إن تخصيص يوم للعامل كمن يخصص يوماً للنور، تخصيص يوم للشمس، إذ النور موجود في كل يوم، والنهار نور. كل يوم هو يوم الشمس، ولكن لعل ذلك كان من أجل التعظيم والتكريم، ولهذا فلا يوجد إشكال في هذا الأمر، ولكن إذا أردنا الواقعية فإن العمل والعامل موجودان في جميع عوالم ما قبل الطبيعة وفي عالم الطبيعة وفي عوالم ما بعد الطبيعة. فالعمل والعامل موجودان في كل مكان، وجميع موجودات العالم سواء موجودات ما قبل الطبيعة، أم الموجودات الطبيعية أم موجودات ما بعد الطبيعة فإن جميعها قد تحققت بسبب العامل. فالعمل نظير (الوجود) حاضر في جميع شؤون العالم.
عظمة ومنزلة العمل والعامل
لقد وجد العالم من فعالية الله، ووجدت أجزاء العالم من الفعاليات لبعض الموجودات. إنكم لا تستطيعون العثور على موجود إلّا والعامل والعمل موجودان فيه، بل هو بنفسه عمل، العمال أيضاً هم بأنفسهم عمل، وقد وجدوا من العمل.
إن ذرات الكائنات في العالم- في عالم الطبيعة- فعالة من أجل ايجاد جميع كائنات هذا العالم حتى الجمادات والأشجار جميعاً حية، جميعها عاملة، فالعمل محيط بكل العوالم، ومنذ البداية إنما وجد العالم بالعمل، فالعامل مبدأ جميع الموجودات. إن الحق تعالى هو مبدأ العمل، والعامل، وكائنات عالم الغيب التي تحققت بالفعالية الغيبية هي عاملة. إن كائنات عالم الطبيعة، أينما نظرتم، وأية فئة من الفئات لاحظتم سواء الكائنات التي هي بنظرنا في أدنى مراتب الوجود مثل المعادن والأرض والجمادات، أو الكائنات الموجودة فوق هذه المرتبة- مثل النباتات والأشجار، أو التي تليها في سلّم الوجود مثل الحيوانات، أو التي ارقاها مثل الإنسان- هي جميعها مظهر للعمل، وجميعها عاملة. العمال هم الذين أوجدوها. فالعمل محيط بجميع الكائنات.
إن عالم ما بعد الطبيعة- الجنة والنار- أيضاً قد ظهر بالعمل، الجنة والنار تتحققان من عمل الإنسان. فعمل الإنسان إما عمل صالح وعمل حسن وهو مبدأ تحقق الجنة، وإما عمل غير صالح وفاسد وهو مبدأ النار. لا ينبغي لنا تخصيص يوم فقط بالعامل باعتبار أن هذا اليوم حظ العامل. نعم، لا مانع من اختيار يوم للعامل من أجل أن نبين للعالم أن كل شيء إنما هو من العمل.
الله تعالى مبدأ العمل
إن العمل مثل جلوة الله تعالى سرى في جميع الكائنات. فالعمل موجود في جميع الكائنات، وبالعمل قد وجدت. إن جميع ذرات الوجود عاملة، إنها عاملة ومدركة. جميع ذرات العالم فعّالة ومدركة ولكننا نظن أنها غير مدركة: (وإن من شيء إلّا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ( [اسراء ٤٤]). فالجميع يسبح الحق، الجميع عاملون لله، الجميع مطيعون للحق تعالى، والعمل موجود في كل مكان. والعالم من أوله إلى آخره هو (يوم العامل) لا أنه يوماً واحداً. العالم كله هو يوم العامل، العالم كله عامل، والعالم كله عمل، يعني أن ذرات الوجود التي توجد الإنسان وبقية الحيوانات- بإرادة الله تعالى- هي عاملة، والإنسان عمل، إنه أثر عملها. جميع هذه الكائنات التي ترونها في العالم هي أثر العمل الفعّال للجند الإلهيين، جند الله جميعها عاملة. الله تبارك وتعالى هو مبدأ العمل.
-------------
القسم العربي، الشؤون الدولیة ، صحیفة الامام الخمیني، ج۷، ص، ۱۳۱و ۱۳۲.